محمد بن جرير الطبري

572

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

سليمان بن جامع ، فتلقاه منهم جمع كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى ، ونشبت الحرب واشتدت ، فترجل جماعه من الفرسان ، ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغلوها ، وأسر من غلمان أبى احمد وقواده غلام يقال له وصيف علمدار وعده من قواد زيرك ، ورمى أبو العباس أحمد بن مهدى الجبائي بسهم في احدى منخريه ، فخرق كل شيء وصل اليه حتى خالط دماغه ، فخر صريعا ، وحمل إلى عسكر الخائن وهو لمابه ، فعظمت المصيبة به عليه ، إذ كان أعظم أصحابه غنى عنه ، وأشدهم بصيره في طاعته ، فمكث الجبائي يعالج أياما ، ثم هلك ، فاشتد جزع الخائن عليه ، فصار اليه ، فولى غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن ، ثم اقبل على أصحابه فوعظهم ، وذكر موت الجبائي وكانت وفاته في ليله ذات رعود وبروق وقال فيما ذكر : علمت وقت قبض روحه قبل وصول الخبر اليه بما سمع من زجل الملائكة بالدعاء له والترحم عليه . قال محمد بن الحسن : فانصرف إلى أبو واثلة - وكان فيمن شهده - فجعل يعجبني مما سمع ، وجاءني محمد بن سمعان فأخبرني بمثل خبر محمد ابن هشام ، وانصرف الخائن من دفن الجبائي منكسرا عليه الكآبة . قال محمد بن الحسن : وحدثني محمد بن حماد ان أبا احمد انصرف من الوقعة التي كانت عشيه يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر ، وكان خبره قد انتهى إلى عسكره ، فنهض اليه عامه الجيش ، فتلقوه منصرفا ، فردهم إلى عسكره ، وذلك في وقت المغرب ، فلما اجتمع أهل العسكر أمروا بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب ، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر ، فعبا أبو احمد أصحابه ، وجعلهم كتائب يتلو بعضها بعضا ، فرسانا ورجاله ، وامر بالشذا والسميريات ان يسار بها معه في النهر الذي يشق مدينه طهيثا المعروف بنهر المنذر ، وسار نحو الزنج حتى انتهى إلى سور المدينة ، فرتب قواد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزنج عليه منها ، وقدم الرجاله امام الفرسان ، ووكل بالمواضع التي يخاف خروج الكمناء منها ، ونزل فصلى أربع ركعات ، وابتهل إلى الله عز وجل في النصر